مصطلح الحريم في الفكر الغربي ودلالاته
ألم يمر عليك
ذلك المشهد في الافلام الغربية أو حتى العربية أحيانا مشهد الرجل العربي وهو متكئ
على مخدات الريش محاط بالجواري وهن يتزاحمن لأحضانه؟ ألم يمر عليك لفظ عصر الحريم
عند تداول قضايا المرأة و أصابتك الحيرة من التي تخاف عودة عصر الحريم الذي بظنك
أنه بمعنى عصر النساء في لهجتك المحلية؟ بين لفظ الحريم في لهجاتنا بمعناه البسيط
ولفظ الحريم عند المخيلة والثقافة الغربية يتجلى التصور الغربي عن مكانة المرأة في
عالم الشرق الإسلامي.
الإلتباس في
كلمة الحريم يعود الى التصور الغربي المشوه عن المرأة الشرقية و عاد هذا المصطلح
إلى العرب بعد ما تم إعادة تصديره إلينا
بحلته الغربية في القرن العشرين ولا يزال يستعمل عند بعض المثقفين دون إدراكهم عن
دلالاته أو حتى موضوعيته.
الحريم عند
المستشرقين
الحرم أو الحرملك بالتركية القسم المخصص للنساء
وخاصة اهل المنزل هو الفضاء حيث تتجمع الامهات والابناء والجدات والقريبات والجواري وحيث يبقى الذكور قبل بلوغهم في المنازل.
و يختلف عن السلاملك قسم استقبال الضيف والغرباء والزوار هذا الفصل بين الفضائين واحتجاب
النساء عن عيون الرجل الغريب عنهم ولد خيال وهمي لدى الرحال الغربي ليس نتيجة سوء فهم
بل فكر مسبق محمل بسوء النية لدوافع كثيرة منها عقدة النقص والاستعلاء، نظرية التفوق
الغربي تستدعي اختلاق نواقص وقصص خيالية مشينة من الحضارات التي لاتنتمي الى
الثقافة الغربية وكون المجتمعات الاسلامية هي احد المنافسين المجاورين للحضارة
الغربية فقد نالها قدر من التشويه والافتراء.
و لعب الاستشراق دورا في تنميط فكرة الحريم
المحتوية على الغرائبية الشهوانية فكان الرحالة والفنانون المستشرقون يخلقون عالما
وهميا مليئ بالقصص المثيرة والمشوقة عن المغامرات الأوروبية في عالم يجمع فيه
المسلم الجواري والنساء في قصور ذات اسوارعالية يقبع خلفها متع الحياة المختلفة.
أن أول نقد يوجه للاستشراق الغربي في قضية
الحريم كيف سنحت الفرصة للرحالة لدخول فضاء ممنوع عن الرجال فضلا عن أنهم غرباء.
ولذلك يبدو الأمر مختلفا عندما يكون المستشرق أو الرحالة الغربي امرأة فقد سافرت
النساء بصحبة أزواجهن إلى الشرق منهم زوجات السفراء والدبلوماسيين.
![]() |
| لوحة زيتية للايدي ماري بصحبة ابنها إداورد الذي أصبح رحالة فيما بعد بريشة الرسام جان باتيست فانمور، اسطنبول 1717 معروضة في معرض اللوحات الوطني لندن |
اللايدي ماري ورتلي مونتاجو Lady Mary Wortley Montagu هي استقراطية واديبة انجليزية و زوجة السفير البريطاني
(السفير ادوارد ورتلي مونتاجو بين عام 1716 و1718)الى الدولة العثمانية و قد
اعتبرها بيلي ميلمان بأن مؤلفاتها مثال
للكتابات العلمية المبكرة عن النساء في الشرق[1]. بجانب
كتاباتها يعود الفضل إليها في نشر فكرة التلقيح في الغرب بعد أن أقتنعت بجدوى هذه
الممارسة ضد مرض الجدري لدى العثمانيين
وقد ساعدتها مكانتها الاجتماعية في نشر الفكرة بين الطبقة الراقية[2].
مشاهداتها الحية لنساء الدولة العثمانية واتصالها بهم كونها امرأة وثق للغرب عدة
معلومات عن مكانة المرأة العثمانية ولباسها وعاداتها كتبت اللايدي ماري عن رفضها
للصورة الغرائبية عن نساء المسلمين التي نشرها المستشرقون من أبناء جلدتها فهي
تقول في مؤلفها "رسائل السفارة من تركيا" متحدثة الى القارئ
الغربي " ربما ستدهش عن مدى اختلاف الحقيقة عن ما كتبه عامة الرحالة لتسليتك
فهم مغرمون جدا بالتحدث عما لا يعرفونه"[3]. كذلك لم
توافق اللايدي ماري مع وجهة النظر الغربية حول الحمام التركي فقد كان الرحالة
يصفون الحمام العثماني أنه مكان للشهوانية والممارسات اللامعقولة بينما صرحت اللايدي ماري بعد زيارتها لحمام مدينة صوفيا البلغارية بأن الحمام كان للنساء "مثل المقهى تجمع تنقل فيه أخبار المدينة
وتصنع فيه الشائعات"[4]. تعتبر
أعمال اللايدي ماري أحد الاعمال النقدية من امرأة غربية تجاه الغرب فقد انتقدت هضم
حقوق المراة في الغرب وقارنت بين حياة الزوجة الشرقية والغربية وانتقدت الاستشراق
بل وقد أولعت بالإسلام كديانة تنويرية تحرر الفكر من الكهنوت الغربي[5]. كذلك كتبت إيدي الرحالات الإنجليزيات بانصاف عن وضع النساء
المسلمات فقد سنحت الفرصة لغرتورد بيل و فريا ستارك لمقابلة النساء والسكن معهن في
فضاءهن الخاص وسجلن عنهن ملاحظات وصفية عن المعيشة وحقوقهن.
المؤلفات التي كتبنها المستشرقات كانت أكثر
واقعيا وانصافا من نظرائهم الذكور كونهن دخلن حرم البيوت. مع ذلك فإن السرد
الخيالي للحريم كان أكثر انتشارا وإثارة للمجتمع الغربي وقد توافق مع الحس والفكر
الاستعماري بتفوق القيم والفكر الغربي على كل الأمم المتحضرة وبينها المنافس
التقليدي للغرب وهو الإسلام. ففي فكرة التفوق الغربي تبدو جميع الأمم همجية او
شهوانية أمام القيم الغربية النبيلة.
![]() |
| لوحة أخرى للايدي ماري رسمت بالقرن التاسع عشر وتظهر فيها بالزي التركي المصدر:https://www.bildarchivaustria.at/Pages/ImageDetail.aspx?p_iBildID=7901135 |
الحريم في
الفكر والثقافة الغربية
عالرغم من أن
فكرة الحريم في المخيلة الغربية غير دقيقة تاريخيا إلا أنها وجدت مكانا في الفكر و
الثقافة الشعبية في الغرب. إن مصطلح حريم”Harem” في
الانجليزية ظهرفي الأعمال الادبية والروايات، و اللوحات الفنية ، والأفلام،
والأغاني، والتصوير الفوتجرافي، و النكات، بل والمواد الإباحية أيضا فأصبح لهذه
الكلمة حضور في حياة الانسان الغربي العادي خارج الدوائر الأكاديمية ولكنه حضور
مشوه تماما مثل النظرة الشعبية المحببة للقراصنة في حوض الكاريبي أنهم مغامرون
يدفنون كنوزا في جزر خلابة عكس ما هو متصور في زمن القراصنة الحقيقي على أنهم قتلة
وقطاع طرق بلا رحمة.
![]() |
| الباشا في الحريم The Pasha in His Harem, c. 1735-1739 المصدر: https://artsandculture.google.com/asset/NAGSsSjHvnTW9w |
فمثلا في فن
الرسم الغربي يوجد نوع وصنف خاص بالاستشراق يصور فيه راسم اللوحة المرأة الشرقية
في جسد عار أو شبه عار في صورة أوضاع حميمية تظهر شوقها وإقبالها للناظر إليها،
وكذلك صور كثيرة للعبيد والسادة في اللوحات
وهم يتفاعلون مع النساء بشكل يظهر اضطهاد الشرقي للمرأة وهيمنته عليها. انسحبت هذه
السمة إلى فن التصوير الفوتجرافي فظهرت البطاقات البريدية للنساء العرايا في المستعمرات
الأوروبية الجديدة فبينما كان المصور الفرنسي يجد صعوبة في التقاط صور عارية في مستعمراته بالشمال
الافريقي لجأ الى صنع استديو خاص به بأجواء شرقية وبالإستعانة بفتيات منبوذات في
المجتمع كالبغايا[6].
![]() |
| نساء أوربيات بزي عثماني وقد اتخذنا وضعيات مشابهة للتخيل السائد عن الحريم صور في استديو أواخر القرن التاسع عشر،European women in Ottoman Attire by Sebah & Joaillier (Turkey), 1880s |
ومصطلح الحريم
تم إعادة تصديره أيضا للشرق الأقصى فظهر في المانجا والأنمي بصورته الدلالية
المتخيلة[7].
ولذلك تجد
عند الغربي انزعاجا من رؤية الحجاب أو النقاب بينما قد يتقبل التعرف على زي شعبي
لثقافة أخرى ذلك لأن الحجاب والنقاب صدر إلى الثقافة الشعبية الغربية على أنه تحيز ذكوري ضد
المرأة، و تقييدها جنسيا للسيد الذي يمتلكها ،ورغبة في حبس عدة اناث لحريم رجل
واحد عن طريق اخفائهم عن أعين باقي الرجال. ولذلك فإن تزايد جرائم الكراهية في
الغرب ضد المسلمين محمول بأفكار مسبقة مغلوطة عن المجتمعات المسلمة كاضطهاد المرأة
فضلاً عن النفس العنصري في هذه الجرائم.
الاقتباس
العربي لفكرة الحريم االغربي
عالرغم من
أننا كعرب ومسلمين نصور في الفكر الغربي في
صورة الآخر الغامض الذي هو بحاجة للاكتشاف بينما من البديهي في الوقت نفسه أن من الأسهل
على العربي التنقيب في كتب التراث وفحص تاريخه لمعرفة موروثه. إلا أن الأمر اختلف
لدى بعض المثقفين و الفنانين العرب فبدلا
من أن يتحقق من كتب التاريخ وعلم الشعوب أو يفهم مدلول مصطلح الحريم وتاريخه أعاد
البعض استخدامه دون فحص او استعياب للمعنى.
في القرن العشرين وعصر النهضة العربية اختلفت
رؤى المفكرين العرب بين مقلد للغرب و محتفظ للتراث و متوسط بينهما. انشغل الفكر العربي
في النصف الأول من القرن العشرين في صراعاته الفكرية بينما تبع في نصف الثاني من القرن النموذج الفكري الغربي بصورة متباينة بين أقطاره. التبعية للنموذج الغربي شمل عدة
نواح حتى عند دراستنا لتاريخنا وثقافتنا. ففي مصر أحد الدول العربية التي واكبت
النهضة الحديثة ونتيجة لتأثر بعض مفكريها بالنموذج الفرنسي بعد عودتهم من
الإبتعاث ظهرت الأعمال التي تخلط المجد القومي العربي بأفكار الاستشراق الرومانسية
مثل مصطلح الحريم، وقصص ألف ليلة وليلة ،والهوية الفرعونية. تجلت هذه الافكارعن
طريق السينما الفن الجديد فمن الأعمال
السينمائية الناطقة الأولى كأفلام التاريخية للالماني الذي عمل في استوديو مصر فريتز كرامب "وداد" بطولة أم كلثوم 1935 و "لاشين"
1938 يظهر في هذه الأعمال اقحام فكرة الحريم ففي لاشين مثلاً "وهو تحفة سينمائية بحق" تظهر بطلة الفيلم وهي ترفض حب السلطان لانه تريد أن تهب حبها لرجل واحد مخلص لها لا
رجل يقضي شهواته في الحريم.
![]() |
| بوستر فيلم لاشين من موقع السينما العربية |
وفي فيلم عنترة وعبلة 1945 بطولة كوكا وسراج منير
واخراج نيازي مصطفى تدخل عبلة عروس في حريم مفرج بن همام والذي يبدأ المشهد فيه برقص
جارية بحركات على هيئة غربية. وبعد ثورة 1952 برز النفس القومي بالسينما
والذي ظهر فيه ابن البلد النقي والحاكم التركي أو المملوكي الشهواني ففي فيلم ألمظ
و عبده الحامولي 1962 وفيلم المماليك 1965
نرى أن الحاكم تركي أو مملوكي هو من يمارس فكرة الحريم والشعب المصري يأبى أن
يدنس نفسه في هذه الممارسة. وفي رائعة واسلاماه اخراج (عربي ايطالي مشترك) 1962 و في إحدى
المشاهد الدرامية بالفيلم عندما ينادي سلامة على جهاد تتوجه جهاد الى النافذة
بعيداً عن دروس الرقص للجواري في القصر المملوكي و تجتهد مربية الجواري في إعادتها للالتزام بالرقص!! يعرف للعصر المملوكي غزارة الانتاج الادبي والمعرفي فلماذا لم
يوثق مثلاً وجود مدارس للرقص في القصور،
ولماذا لم يكن مشهد جهاد افتراضاً في إنها تعمل في مطبخ القصر أو تدرس في تحفيظ القران
و هو مشهد أكثر واقعية بالنسبة للعصر المملوكي.
يستمر تنميط
مصطلح الحريم حتى في أعمال لاحقة مثل قفص الحريم 1986 كقصة اجتماعية لتحرر فتاة من
تقاليد رجل محافظ وشهواني تجاه المرأة، و
ايضا مسلسل سرايا عابدين المسلسل المليء
بالمغالطات التاريخية فضلاً عن ابتلاعه لفكرة الحريم.
و عند تناول
مشاكل وقضايا المرأة يطلق بعض مثقفي العرب على الماضي مصطلحات مثل عصر الحريم أو
زمن سي السيد (نسبة لشخصية في ثلاثية نجيب محفوظ) و هو العصر الذي يصورفيه الرجل
المتحكم في أمور البيت و الأسرة و حتى آرائهم وقرارتهم، وفيما يخص المرأة هو العصر
التي تخضع في المرأة لولي أمرها وتحتكم لأمره ولا تخرج الا بإذنه وتودد له طاعة
الخادم للسيد. فمصطلح عصر الحريم يجمع بين الصورة المشوهة عن رجال يسئيون لنسائهم
نتيجة ثقافة محلية وعادات معينة و مصطلح غربي متحامل. ومما يثير السخرية أحياناً أن
يستغرب العربي لأن ناشطة لا تريد عصر الحريم بينما الحريم في فهمه بمعنى النساء.
و ختاماً
تاريخ
المجتمعات المسلمة هو تاريخ مجتمعات بشرية فيها الجيد والسيء. فكما كان المجتمع
محافظ ويعيش حياة بين العمل واللهو المباح في مقابل ذلك ذكرت كتب التراث عن القيان
والجواري والمغنيات و بعض المجون. لكن لم تكن كما تصورها الغربي أنه في بيت كل ثري
شرقي هناك دار بغاء شخصي لصاحبه يسمى بالحريم. و أيضا بالرغم من أن المجون واللهو المحرم
كان مذموماً في المجتمع فقد مارسه عديد من أفراد لكن لم يكن بصورة مؤسسية للاستمتاع
و الهيمنة عالمرأة كما تصورها المستشرقون و الفنانون الغربيون.
تكمن خطورة
مصطلح الحريم بتداوله عربياً بالمفهوم الغربي الخاطئ أنه يؤدي للإنهزامية والإستخفاف بتاريخنا على أنه
لهو ومجون، ولأن مصطلح الحريم وجد مكانه في الاعمال الفنية الغربية فأن وفرة تناول
هذا الموضوع والخلط بينه وبين حب امتلاك أعداد من الجواري لدى الأثرياء في التاريخ
الإسلامي بهدف اظهار الثروة يخلق صورة
مشوهة لدى العربي عن تاريخه. الموضوعية في قراءة التاريخ مطلوبة لكنها قد تكون
مشلولة إذا لم ترافقها محتوى و حراك فني ثقافي ترفيهي يصل لكافة الناس بالاضافة إلى
تصديره كثقافة إلى الخارج. فبدلاً من استخدام مصطلح تحاملي يسيء إلى ثقافتنا الأجدر
تصدير مصطلح صحيح عبر البحث الموضوعي، و الفن، و الإعلام.
[1] Melman,
Billie. Women's Orients: English Women and the Middle East, 1718-1918.
University of Michigan Press. 1992. Print
[2] Rosenhek,
Jackie. Safe Smallpox Inoculations Doctor's Review: Medicine on the Move, Feb
2005, Retrieved 2019-7-18
[3] Lady
Mary Wortley Montagu: Selected Letters. Ed. Isobel Grundy. Penguin Books, 1997.
Print
[4] Lady
Mary Wortley Montagu: Selected Letters. Ed. Isobel Grundy. Penguin Books, 1997.
Print
[5] Stubbe,
Henry (2013). Matar, Nabil (ed.). The Originall & Progress of Mahometanism.
New York: Columbia University Press. ISBN 9780231156646.
[6] للمزيد عن هذا الموضوع أبحث عن ethnographic postcards في الشبكة العنكبوتية و يستخدم المجتمع العلماني العربي هذه الصور في
نشر فكرة الاسلاف المتحررين جنسيا في شبكة الانترنت أنظر تويتر، المدونات
والمنتديات مثل الشبكة اللليبرالية الحرة مثال: https://libral.org/vb/showthread.php?t=273664
[7] Oppliger,
John (April 17, 2009). "Ask John: What Distinguishes Harem Anime?".
Anime Nation. Archived from the original on November 16, 2009. Retrieved 2019-7-18.





